أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
10
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الملائكة سلام ، ويدل له وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ « 1 » و « فِيها » في الموضعين متعلق بالمصدر قبله ، وقيل : يجوز أن يكون حالا مما بعده فتعلق بمحذوف ، وليس بذاك وقال بعضهم : يجوز أن يكون « تَحِيَّتُهُمْ » مما أضيف فيه المصدر لفاعله ومفعوله ، لأن المعنى : يحيي بعضهم بعضا ، ويكون كقوله تعالى : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ « 2 » حيث أضافه ل « داود وسليمان » وهما الحاكمان ، وإلى المحكوم عليه ، وهذا مبني على مسألة أخرى ، وهو أنه هل يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز أم لا ؟ فإن قلنا : نعم جاز ذلك ، لأنّ إضافة المصدر لفاعله حقيقة ولمفعوله مجاز ، ومن منع ذلك أجاب بأن أقل الجمع اثنان ، فلذلك قال : لحكمهم شاهدين . قوله : « وَآخِرُ دَعْواهُمْ » مبتدأ ، و « أَنِ » هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الأمر والشأن حذف ، والجملة الاسمية بعدها في محل الرفع خبرا لها كقوله : 2592 - ففي فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كلّ من يحفى وينتعل « 3 » و « أَنِ » واسمها وخبرها في محل رفع خبرا للمبتدأ الأول ، وزعم الجرجاني أن « أَنِ » هنا زائدة والتقدير : وآخر دعواهم الحمد للّه ، وهي دعوى لا دليل عليها مخالفة لنص سيبويه والنحويين ، وزعم المبرد - أيضا - أنّ المخففة يجوز إعمالها كهي مشددة ، وقد تقدم ذلك . وتخفيف « أَنِ » ورفع « الْحَمْدُ » هو قراءة العامة ، وقرأ عكرمة وأبو مجلز وأبو حيوة وقتادة ومجاهد وابن يعمر وبلال بن أبي بردة ، وابن محيصن ويعقوب بتشديدها ونصب « الحمد » على أنه اسمها ، وهذه تؤيد أنها المخففة في قراءة العامة ، وترد على الجرجاني . قوله : وَلَوْ يُعَجِّلُ . هذا الامتناع نفي في المعنى تقديره : لا يعجل اللّه لهم الشر ، قال الزمخشري : « فإن » قلت : كيف اتصل به قوله : فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وما معناه ؟ قلت : قوله : وَلَوْ يُعَجِّلُ متضمن معنى نفي التعجيل ، كأنه قيل : ولا نعجل لهم الشر ، ولا نقضي إليهم أجلهم . قوله : اسْتِعْجالَهُمْ فيه أوجه : أحدها : أنه منصوب على المصدر التشبيهي ، تقديره : استعجالا مثل استعجالهم ثم حذف الموصوف وهو « استعجال » وأقام صفة مقامه وهي « مثل » ، فبقي ولو يعجل اللّه مثل استعجالهم ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه . قال مكي : « وهذا مذهب سيبويه » . قلت : وقد تقدّم غير مرة أن مذهب سيبويه في هذا أنه منصوب على الحال من ذلك المصدر المقدر ، وإن كان مشهور أقوال المعربين غيره ، ففي نسبة ما ذكرته أولا لسيبويه نظر ؟ الثاني : أنّ تقديره : تعجيلا مثل استعجالهم ، ثم فعل به ما تقدم قبله ، وهذا تقدير أبي البقاء ، فقدّر المحذوف مطابقا للفعل الذي قبله ، فإنّ تعجيلا مصدر ل « عجّل » وما ذكره مكي موافق للمصدر الذي بعده ، والذي يظهر ما قدّره أبو البقاء ، لأنّ موافقة الفعل أولى ، ويكون قد شبه تعجيله تعالى باستعجالهم بخلاف ما قدّره مكي فإنه لا يظهر ، إذ ليس « اسْتِعْجالَهُمْ » مصدرا ل « عجّل » . وقال الزمخشري : « أصله » ولو يعجل اللّه للناس الشر « تعجيله لهم الخير » ، فوضع « اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ » موضع تعجيله لهم الخير إشعارا بسرعة إجابته لهم وإسعافا بطلبتهم ، كأنّ
--> ( 1 ) سورة الرعد ، الآيتان : ( 23 - 24 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء ، آية : ( 78 ) . ( 3 ) تقدم .